Tayyar Article

الحكومة تنقلب على تعهداتها: رسوم تصل إلى 3 بالمئة على السلع لـ«حماية البيئة» | ضريبة بيئية بلا معايير... و«المواطن يدفع»

  • 07 August 2026
  • 55 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: الأخبار
    ندى أيوب -

    يُناقش مجلس الوزراء اليوم مشروع مرسوم لتعديل الرسوم البيئية على المنتجات والسلع التي تتحول كلياً أو جزئياً إلى نفايات بعد استعمالها، استناداً إلى مبدأ «الملوِّث يدفع». غير أن المشروع، عند التدقيق في مضمونه، لا يفرض رسوماً على الكماليات فحسب، بل يطاول مباشرة حياة الناس. إذ يفرض رسوماً بنسبة 3% على الإسمنت والدهانات والأجهزة الكهربائية والملابس والأحذية والمعدات الطبية ووسائل النقل، و2.5% على الحجر والسيراميك، و2% على الزجاج والبلاستيك والمواد الكيميائية، و1.5% على الخشب والورق، و1% على الآلات والمضخات ومعدات الإنتاج.

    والأكثر مفارقة أن الرسوم تشمل الإسمنت والحجر المستوردين، فيما تبقى مصانع الإسمنت والمقالع والكسارات المحلية، وهي من أبرز مصادر التلوث البيئي، خارج أي معالجة فعلية. وهكذا، وبدلاً من أن يدفع الملوِّث، سيدفع المواطن، ولا سيما المهجَّر الذي يسعى إلى إعادة بناء منزله أو ترميمه، كلفة إضافية. كما سترتفع كلفة الحذاء المدرسي، والمعاينات الطبية، ونقل السلع، وتشغيل المزارع، وسائر الأنشطة الإنتاجية، ما يعني زيادة في أسعار معظم السلع والخدمات تتراوح بين 1 و3%.

    وبالمنطق البيئي، كان الأجدى مثلاً تشجيع استيراد الإسمنت، أو على الأقل عدم تحميله رسوماً إضافية، بدلاً من حماية إنتاج محلي يخلّف أضراراً بيئية جسيمة. وينطبق الأمر نفسه على الحجر ومواد التلبيس والصخور المستوردة، التي تُفرض عليها الرسوم، بينما تبقى المقالع والكسارات المحلية، المسؤولة عن اقتلاع الجبال وتشويه المشهد الطبيعي، بمنأى عن أي إجراءات مماثلة.
    وبذلك، يبدو أن الرسم المقترح لا يستهدف مصدر التلوث الحقيقي، بل يلاحق الاستيراد، في إطار سعي السلطة إلى فتح باب جديد لزيادة الإيرادات، ولو كان الثمن تحميل المواطنين أعباءً إضافية.

    قبل نحو شهر، أقرّ مجلس الوزراء مشروع المرسوم الرقم 3214/2026، تطبيقاً للمادة 38 من قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، التي كرّست مبدأ فرض رسم على معظم المنتجات المحلية والسلع المستوردة، استناداً إلى مفهوم المسؤولية الممتدة للمنتج، بحيث يسهم المنتجون والمستوردون في تحمّل جزء من الكلفة البيئية الناتجة عن جمع النفايات وفرزها ومعالجتها وإعادة تدويرها أو التخلص الآمن منها، وفق مبدأ «الملوِّث يدفع». غير أن المرسوم أثار، فور صدوره، موجة واسعة من الاعتراضات القانونية والاقتصادية، دفعت الحكومة إلى تعليق العمل به، وتشكيل لجنة وزارية لإعادة درسه.

    وقد تركزت الاعتراضات على الارتفاع الكبير في نسب الرسوم، والتي تراوحت بين 1% و3% من قيمة السلع، في حين أن «قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة» أرفق جدولاً يحدد المنتجات الخاضعة للرسم بنسب تتراوح بين 0.10% و0.30%، تبعاً للأثر البيئي المفترض للنفايات الناتجة عنها. صحيح أن القانون فوّض مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح الوزراء المتخصّصين، تعديل هذه الرسوم أو إعفاء بعض المنتجات أو إخضاع منتجات إضافية لها، إلا أن الحكومة رفعتها إلى مستويات تزيد بنحو عشرة أضعاف على السقوف التي اعتمدها القانون. والمفارقة أن المشروع الجديد، المطروح اليوم على طاولة مجلس الوزراء، أبقى النسب نفسها بين 1% و3%، ما يعني أن الحكومة تراجعت عملياً عن الوعود التي أطلقتها بعد الاعتراضات.

    وبحسب المشروع، تخضع المعدات الصناعية والإنتاجية، بما فيها الآلات الميكانيكية والكهربائية وقطعها، لرسم بنسبة 1%، رغم أنها تُعد في معظمها وسائل إنتاج ولا تتحول سريعاً إلى نفايات استهلاكية. كما فرض رسماً بنسبة 1.5% على الخشب ومصنوعاته والفلين والورق والكرتون، و2% على شريحة واسعة من المنتجات الكيميائية والبلاستيكية والمطاطية والزجاجية وعدد من وسائل النقل والأدوات والمعدات والسلع الاستهلاكية، فيما بلغت النسبة 2.5% على مصنوعات الحجر والإسمنت والجبس والميكا، و3% على مجموعة من المنتجات التي تنتج عنها نفايات عضوية أو كيميائية أو صناعية.
    ويُفهم من قراءة المشروع المعدّل أن السلطة التنفيذية حاولت معالجة بعض الثغرات، ولا سيما لجهة تحقيق قدر أكبر من المساواة بين منتجات متشابهة في طبيعتها أو استعمالها، إلا أن التعديلات لم تمسّ جوهر الإشكاليات القانونية والاقتصادية التي أثارها المرسوم.

    الحكومة تتجاوز صلاحياتها
    المشروع المطروح اليوم لا يعالج الإشكالية الأساسية المتعلقة بحدود التفويض الذي منحه مجلس النواب للحكومة. فهو يُبقي الرسوم بين 1% و3%، رغم أن الجدول الملحق بقانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة حدّدها بين 0.10% و0.30%، ما يجعل هذا الجدول جزءاً لا يتجزأ من النص التشريعي.

    صحيح أن القانون أجاز لمجلس الوزراء تعديل «قيمة هذه الرسوم»، إلا أن هذا التفويض يثير تساؤلاً جوهرياً حول المقصود بالتعديل. فاعتبار أن الحكومة تستطيع، بموجب مرسوم، رفع الرسم من 0.30% إلى 3%، أي عشرة أضعاف، يتعارض مع مبدأ شرعية الضرائب والرسوم، الذي يوجب أن يحدد القانون نفسه أساس الرسم وحدوده ومعدلاته الجوهرية.
    كذلك، فإن تفسير التفويض على أنه يمنح الحكومة حرية تعديل النسب من دون سقف واضح، يُفرغ الجدول الملحق بالقانون من أي أثر تشريعي فعلي، في حين أن القاعدة المستقرة في تفسير القوانين تقضي بإعطاء كل نص وكل حكم تشريعي معنى وأثراً، وعدم افتراض أن المشرّع أورد جدولاً كاملاً بلا غاية. ومن هذا المنطلق، يبدو التفسير الأكثر انسجاماً مع القانون أن التفويض يقتصر على السماح للحكومة بإعادة توزيع السلع بمعنى إخضاعها لرسوم بنسب مُختلفة لكن ضمن الخانات المحددة في القانون بما لا يتخطى السقف الأعلى 0.30%.

    غياب المعايير البيئية الواضحة
    ويطرح المشروع أيضاً إشكالية أخرى تتعلق بغياب المعايير البيئية الواضحة. فمبدأ «الملوِّث يدفع» والمسؤولية الممتدة للمنتج يفترضان وجود علاقة مباشرة بين مقدار الرسم المفروض على السلعة، وحجم النفايات التي تنتج عنها، وخطورتها البيئية، وقابليتها لإعادة الاستخدام أو التدوير، والكلفة الفعلية لجمعها وفرزها ومعالجتها أو التخلص منها. إلا أن المشروع لا يوضح الأسس التي استند إليها في رفع الرسوم إلى ما يقارب عشرة أضعاف، ولا المعايير التي بررت فرض 1% على فئة من المنتجات، و2% أو 3% على فئات أخرى، ولا أسباب التفاوت بين سلع متقاربة في أثرها البيئي. وكان يفترض أن يستند اختلاف الرسوم إلى معايير علمية وموضوعية تتناسب مع الغاية البيئية التي فُرض الرسم لتحقيقها.

    كما أن الاكتفاء بالتصنيف الجمركي معياراً لتحديد الرسوم يبدو غير كافٍ، لأن الفصل الجمركي الواحد قد يضم منتجات تختلف جذرياً في عمرها الافتراضي، وقابليتها للإصلاح وإعادة الاستخدام، ونسبة المواد القابلة لإعادة التدوير فيها، فضلاً عن الكلفة البيئية لمعالجة النفايات الناتجة عنها. وبالتالي، فإن اعتماد هذا التصنيف وحده قد يؤدي إلى فرض رسوم متساوية على منتجات تختلف بصورة كبيرة في أثرها البيئي الحقيقي.

    جباية الأموال فقط
    يبقى المشروع قاصراً عن تنفيذ جزء أساسي من أحكام المادة (38) من قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، التي نصّت صراحة على أن كيفية استعمال الأموال المحصّلة من الرسوم البيئية وتخصيصها للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة تُحدَّد بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزراء البيئة والمالية والداخلية والبلديات. وقد ورد هذا النص بصيغة الإلزام، بما يؤكد أن تنظيم آلية إنفاق هذه الأموال ليس تفصيلاً إجرائياً، بل إنه ركن أساسي في النظام القانوني الذي أراده المشرّع.

    إلا أن المشروع اقتصر على تحديد السلع الخاضعة للرسم ونسبه، ففعّل جانب الجباية وزيادة الإيرادات، من دون أن يضع إطاراً واضحاً لكيفية توظيف هذه الأموال في تحقيق الأهداف البيئية التي فُرض الرسم من أجلها. فلا يكفي النص على أن الإيرادات ستُستخدم في إدارة النفايات، بل كان يفترض تحديد الجهة التي ستودع لديها الأموال، وآليات توزيعها، والبرامج والمشاريع التي ستمولها، وقواعد الرقابة المالية والفنية عليها، إضافة إلى تحديد حصة البلديات واتحاداتها ومرافق الفرز والمعالجة وإعادة التدوير.

    تغيير السلوك البيئي غائب عن المشروع
    ويكشف المشروع أيضاً أن هدفه الأساسي يبدو أقرب إلى زيادة الإيرادات منه إلى تغيير السلوك البيئي. فهو لم يتضمن أي حوافز للمنتجين أو المستوردين الذين يعتمدون مواد قابلة لإعادة التدوير، أو يخفّضون حجم العبوات للحد من النفايات، أو يطوّرون برامج لاستعادة المنتجات والمساهمة في جمع النفايات ومعالجتها.
    وتُعد هذه الحوافز عنصراً جوهرياً في أي نظام يقوم على مبدأ المسؤولية الممتدة للمنتج، لأن الغاية لا ينبغي أن تقتصر على تحصيل الأموال، بل أن تدفع المنتجين والمستوردين إلى اعتماد تصاميم ومواد أقل ضرراً بالبيئة وأكثر قابلية لإعادة الاستخدام والتدوير.
    كذلك، خلا المشروع من أي آلية دورية لمراجعة الرسوم وربطها بمؤشرات أداء بيئية قابلة للقياس، مثل مدى التزام كل قطاع ببرامج الاستعادة وإعادة التدوير أو انخفاض كمية النفايات الناتجة عنه. ومن دون هذه الآليات، يتحول الرسم إلى عبء مالي يُضاف إلى سعر السلعة، من دون أن يحقق هدفه المفترض في خفض النفايات أو تحسين إدارتها.

    وبناءً على ذلك، قد يكون من الأنسب، قبل إقرار المشروع، إما إعادة عرضه على مجلس النواب لتحديد نطاق التفويض الممنوح لمجلس الوزراء وحدود الرسوم بصورة صريحة، وإما تعديل القانون نفسه بما يزيل التعارض بين الجدول الملحق به وصلاحية الحكومة في تعديل نسب الرسوم.
    وفي المحصلة، يُبقي المشروع الرسوم عند مستويات تتراوح بين 1% و3%، رغم ما ترتبه من أعباء إضافية على المواطنين وما تثيره من إشكاليات قانونية في ضوء النص التشريعي. وفي المقابل، صيغ بصورة تركز على تعظيم إيرادات الخزينة أكثر مما تركز على تحقيق الغاية البيئية التي أُقر من أجلها، إذ أغفل الأحكام الإلزامية المتعلقة بآلية إنفاق الأموال، ولم يربط قيمة الرسوم بمعايير بيئية موضوعية وقابلة للقياس، تسمح بزيادتها أو خفضها تبعاً للأثر البيئي الفعلي وسلوك المنتجين والمستوردين.